سيد قطب
2388
في ظلال القرآن
إن الذين يقيسون أعمال اللّه سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون : كيف كان هذا ؟ وكيف أمكن أن يكون ؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين ، واختلاف الأداتين ، فإنهم لا يسألون أصلا ، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلا . علميا أو غير علمي . فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلا . ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر . وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه ، لأن أعمال اللّه غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود . إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان ، لأن صانعه يملك أن يكون . أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار . . فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود . وليس لنا سوى النص القرآني من دليل . وما كان تحويل النار بردا وسلاما على إبراهيم إلا مثلا تقع نظائره في صور شتى . ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر . فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية ، وإن هي إلا لفتة صغيرة ، فإذا هي تحيي ولا تميت ، وتنعش ولا تخمد ، وتعود بالخير وهي الشر المستطير . إن « يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم ؛ وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات . وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول ، وتحبط كل كيد ، لأنها الكلمة العليا التي لا ترد ! « وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ » . . وقد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب « بالنمرود » وهو ملك الآراميين بالعراق . وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند اللّه . تختلف الروايات في تفصيلاته ، وليس لنا عليها من دليل . المهم أن اللّه قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به ، وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة « فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ » هكذا على وجه الإطلاق دون تحديد ! « وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ » . . وهي أرض الشام التي هاجر إليها هو وابن أخيه لوط . فكانت مهبط الوحي فترة طويلة ، ومبعث الرسل من نسل إبراهيم . وفيها الأرض المقدسة . وثاني الحرمين . وفيها بركة الخصب والرزق ، إلى جانب بركة الوحي والنبوة جيلا بعد جيل . « وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً ، وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ . وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ، وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ ، وَكانُوا لَنا عابِدِينَ » . . لقد ترك إبراهيم - عليه السلام - وطنا وأهلا وقوما . فعوضه اللّه الأرض المباركة وطنا خيرا من وطنه . وعوضه ابنه إسحاق وحفيده يعقوب أهلا خيرا من أهله . وعوض من ذريته أمة عظيمة العدد قوما خيرا من قومه . وجعل من نسله أئمة يهدون الناس بأمر اللّه ؛ وأوحى إليهم أن يفعلوا الخيرات على اختلافها ، وأن يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة . وكانوا طائعين للّه عابدين . . فنعم العوض ، ونعم الجزاء ، ونعمت الخاتمة التي قسمها اللّه لإبراهيم . لقد ابتلاه بالضراء فصبر ، فكانت الخاتمة الكريمة اللائقة بصبره الجميل . « وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ؛ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ .